فصل: تفسير الآيات (130- 134):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البحر المديد في تفسير القرآن المجيد (نسخة منقحة)



.تفسير الآية رقم (123):

{وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (123)}
قلت: {بدر}: بئر بين مكة والمدينة، كانت لرجل اسمه بدر، فسميت باسم صاحبها، وقعت فيها الغزوة التي نصر الله فيها رسوله صلى الله عليه وسلم، فسميت الغزوة باسم المكان، وجملة: {وأنتم أذلة}: حال من الكاف، و{أذلة}: جمع ذليل، كأعزة، جمع عزيز.
يقول الحقّ جلّ جلاله: {ولقد نصركم الله} في وقعة بدر {وأنتم أذلة} ليس معكم مراكب ولا كثرة سلاح، مع قوة عدوكم بالعُدة والعدد، {فاتقوا الله} وأثبتو مع رسوله، وانتظروا النصر من الله كما عودكم، {لعلكم} تكونون شاكرين، لما أنعم به عليكم من العز والنصر، فيزيدكم منه كما وعدكم.
الإشارة: جعل الله سبحانه وتعالى الأِياء كامنة في أضدادها، فمن أراد العز والنصر فليتحقق بالذل والمسكنة، ومن أراد الغنى فليتحقق بالفقر، ومن أراد الرفعة فليتحقق بالضعة وإسقاط المنزلة، ومن أراد القوة فليتحقق فالضعف، وهكذا: {تحقق بأوصافك يمدك بأوصافه}. فاتقوا الله يا معشر المريدين، واطلبوا الأشياء في أضدادها لتظفروا بها، واشكروا الله على ما أولاكم يزدكم من فضله ونواله.

.تفسير الآيات (124- 125):

{إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آَلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (124) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آَلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (125)}
قلت: {إذا}: ظرف لنصركم، إذا قلنا: إن الإمداد يوم بدر فقط، أو بدل من {إذ غدوت}، إذا قلنا: كان الإمداد يوم أحد بشرط الصبر، فملا لم يصبروا لم يقع. والتسويم: التعليم.
يقول الحقّ جلّ جلاله: ولقد نصركم الله ببدر حين كنت {تقول للمؤمنين} حين رأوا كثرة عدوهم وقلة عدتهم وعددهم: {ألن يكفيكم} في القوة والكثرة، {أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة مُنزلين} في السحاب؟ {بلى} يكفيكم كما وعدكم، {إن تصبروا} وتثبتوا {وتتقوا} الله {ويأتوكم من فورهم} أي: من سرعتهم {هذا} الوقت، {يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة} بلا تراخ ولا تأخير، {مسومين} أي: مُعَلَّمين بعمائم بيض إلا جبريل، فإنه كان عمامته صفراء. أو معلمين أنفسَهم أو خيلَهم. قيل: كانت مجزوزة الأذناب، وقيل: كانت بُلْقاً.
فإن قلت: ما ذكر في الأنفال إلا ألفاً، هنا خمسة آلاف. فالجواب: أن الله تعالى أمدهم أولاً بألف، ثم صاروا ثلاثة آلاف، ثم صاروا خمسة آلاف. قال ابن عباس: لم تقاتل الملائكة إلا يوم بدر، وفيما سوى ذلك يشهدون القتال معنا، ولا يقاتلون. اهـ.
الإشارة: كل من توجَّه لجهاد نفسه في الله، واشتغل بذكر مولاه، أمده الله في الباطن بالأنوار والأسرار، وفي الظاهر بالملائكة الأبرار، وقد شوهد ذلك في الفقراء أصحابنا، إذا كانوا ثلاثة رآهم العامة ثلاثين، وإذاكانوا ثلاثين رأوهم ثلاثمائة، وقد كنا في سَفْره سبعين، فرأونا سبعمائة على ما أخبرونا به، {وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَآءُ} [آل عِمرَان: 13].

.تفسير الآيات (126- 129):

{وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (126) لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ (127) لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (128) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (129)}
قلت: {ليس لك من الأمر شيء}: جملة معترضة بين قوله: {أو يكبتهم} وقوله: {أو يتوب عليهم}، أو تكون {أو} بمعنى {إلا}، أي: ليس لك من الأمر شيء، إلا أن يتوب عليهم فتبشرهم، أو يعذبهم فتشفى فيهم. قاله البيضاوي.
يقول الحقّ جلّ جلاله: وما جعل الله ذلك الإمداد إلا بشارة لكم بالنصر، {ولتطمئن قلوبكم به} فتثبتوا للقتال، {وما النصر إلا من عند الله} فهو قادر على أن ينصركم بلا واسطة، لكن أراد أن يثيبكم وينسب المزية إليكم، حيث قتلهم على أيديكم، فإن الله عزيز لا يغلب، حكيم فيما دبر وأبرم، وإنما نصركم يوم بدر {ليقطع طرفاً من الذين كفروا} بقتل بعض وأسر آخرين، فإنه قتل يومئذ سبعون، وأسر سبعون، {أو يكبتهم} أي: يحزنهم ويغيظهم، والكبت: شدة الغيظ، {فينقلبوا خائبين} مما أملوا.
ولما جُرِحَ- عليه الصلاة والسلام- في وجهه، وشُجَّ على قرن حاجبه، وكُسِرَت رباعيته، هَمَّ بالدعاء على الكفار، بل دعا عليهم، فأنزل الله: {ليس لك من الأمر شيء}؛ إنما أنت رسول إليهم، مأمور بإنذارهم وجهادهم، وأمرهم بيد مالكم، إن شاء هداهم وإن شاء عذّبهم. وإنما نهاه عن الدعاء عليهم؛ لعلمه بأن منهم من يُسلم ويجاهد في سبيل الله، وقد كان كذلك؛ فجُلَّهم أسلموا وجاهدوا، منهم خالد بن الوليد- سيف الله في أرضه.
ثم عطلف على قوله: {ليقطع طرفاً من الذين كفروا أو يكبتهم} قوله: {أو يتوب عليهم} إن أسلموا {أو يعذبهم} إن لم يسلموا، {فإنهم ظالمون} قد استحقوا العذاب بظلمهم، والأمور كلها بيد الله، {ولله ما في السماوات وما في الأرض} خلقاً وملكاً وعبيداً، {يغفر لمن يشاء} غفرانه، {ويعذب من يشاء} تعذيبه، ولا يجب عليه شيء، {والله غفور رحيم} لعباده، فلا تبادر بالدعاء عليهم.
الإشارة: وما جعل الله التأييد الذي ينزله على أهل التجريد، حين يقابلهم بالابتلاء والتشديد، إذا أراد أن يوصلهم لصفاء التوحيد، إلا بشارة لفتحهم، ولتطمئن بمعرفته قلوبهم، فإن الامتكان على قدر الامتحان، وكل محنة تزيد مكنة، وهذه سنة الله في أوليائه، يسلط عليهم الخلق في بدايتهم، ويشدد عليهم ابلاء، حتى إذا طهروا من البقايا، وكملت فيهم المزايا، كف عنهم الأذى، وانقلب الجلال جمالاً، وذلك اعتناء بهم، ونصراً لهم على أنفسهم، فإن النصر كله {من عند الله العزيز الحكيم}. وذلك ليقطع عنهم طرفاً من الشواغل والعلائق، التي تقبضهم عن العروج إلى سماء الحقائق، فإن الروح إذا رقدت في ظل العز والجاه صعب خروجها من هذا العالم، فإذا ضيق عليها، وعكس مرادها، رحلت إلى عالم الملكوت، والأمر كله بيد الله. ليس لك أيها الفقير من الأمر شيء، إنما أنت مأمور بتحريك الأسباب والله يفتح الباب.
ليس لك أيها الشيخ من الأمر شيء، إنما أنت مذكر، وعلى الله البلاغ، فلا تأس على ما فاتك، ولا تفرح بما آتاك، فملكوت السماوات والأرض بيد الله، {يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله غفور رحيم}.
قال القشيري: جرَّده- أي: نبيه صلى الله عليه وسلم لما به عرفه عن كُلِّ غيْرٍ وسبب، حيث أخبره أنه ليس له من الأمر شيء، ثم قال: ويقال: أقامه في وقتٍ مقاماً؛ رمى بقبضة من التراب، فأصابت جميع الوجوه، وقال: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَ اللَّهَ رَمَى} [الأنفال: 17]، وقال في وقت آخر: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ} [آل عِمرَان: 128]. اهـ.
يشير إلى أنهما مقامان: نيابة عن الله بالله، ونيابة الله عن عبده، والأول بقاء، والثاني فناء، قاله المحشي. قتل: الأول في مقام البسط، والثاني في مقام القبض، فقد قالوا: إذا بسط فلا فاقة، وإذا قبض فلا طاعة. والله تعالى أعلم.

.تفسير الآيات (130- 134):

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (130) وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (131) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (132) وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134)}
قلت: الكظم هو: الكف والحبس، تقول: كظمت القربة: إذا ملأتها وسددت رأسها.
يقول الحقّ جلّ جلاله: {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا} وتزيدوا فيها إذا حلَّ الأجل {أضعافاً مضاعفة}، ولعل التخصيص بحسب الواقع، إذ كان الرجل يَحُلُّ أجلُ دَيْنِهِ، فيقول للمدين: إما أن تقضي وإما أن تزيد، فلا يزال يؤخره ويزيد في دينه حتى يستغرق مال المدين، فنُهوا عن ذلك. ورغبهم في التقوى التي هي غنى الدارين. فقال: {واتقوا الله} فيما نهيتكم عنه، {لعلك تفلحون} في الدارين. ثم خوفهم بالنار إن لم ينتهوا، فقال: {واتقوا النار التي أعدت للكافرين}، وفيه إشعار بأن النار موجودة؛ إذ لا يُعدُّ المعدوم، وأنها بالذات معدة للكافرين، وبالعرض للعاصين.
قال الورتجبي: في الآية إشارة إلى أن النار لم تعد للمؤمنين، ولم تخلق لهم، ولكن خوفهم بها زجراً وعظة، كالأب البار المشفق على ولده يخوفه بالأسد والسيف، وهو لا يضربه بالسيف، ولا يلقيه إلى الأسد، فهذه الآية تلطف وشفقة على عباده. اهـ.
{وأطيعوا الله} فيما أمر ونهى، {والرسول} فيما شرع وسَنَّ، {لعلكم ترحمون}. والتعبير بلعل وعيسى في أمثال هذه: دليل على عون التوصل إلى ما جعل طريقاً له.
{وسارعوا}: أي: بادروا {إلى مغفر من ربكم}؛ كالإسلام والتوبة والإخلاص، وسائر الطاعات التي توجب المغفرة، وقرأ نافع وابن عامر بغير واو على الاستئناف. وسارعوا أيضاً إلى {جنة عرضها السماوات والأرض} لو وصل بعضها ببعض، وذكر العرض؛ للمباغلة في وصفها بالسعة؛ لأنه دون الطول. قال بعضهم: لم يُرد العَرض الذي هو ضد الطول، وإنما أراد عظمها، ومعناه: كعرض السماوات السبع والأرضين السبع في ظنكم، أي: لا تدرك ببيان. {أُعِدّت} أي: هُيِّئَتْ {للمتقين}. وفيه دليل على أن الجنة مخلوقة، وأنها خارجة عن هذا العالم.
ثم وصف أهلها من المتقين بأوصاف الكمال، فقال: {الذين ينفقون في السراء والضراء} أي: في حالتي الرخاء والشدة، وفي الأحوال كلها، كما هي حالة الأسخياء، قال صلى الله عليه وسلم: «الجنَّةُ دَارُ الأسخياءِ» وقال أيضاً: «السَّخيُّ قريب ٌ مِنَ اللهِ، قَرِيبٌ من الجنَّةِ، قَرِيبٌ منَ النَّاس، بعيدً من النَّارِ، والبَخيلُ بَعيدٌ من الله، بَعِيدٌ مِنَ الجَنَّةِ، بَعِيدٌ، مِنَّ النَّاس، قرِيبٌ مِنَ النَّارِ، ولجَاهِلٌ سَخِيٌ أحبُّ إلى اللهِ مِنَ العالمِ البَخِيل» وقال أيضاً صلى الله عليه وسلم: «السّخَاء شَجَرةٌ في الجنة، أغصانُها في الدُّنيا، من تعلق بَغُصنٍ من أغْصَانِها قادَته إلى الجنَّةِ، والبخْلُ شَجرةٌ في النَّارِ، أغصَانُها في الدُّنيا، من تعلق ببعض من أغصانها قَادَته إلى النَّارِ».
{والكاظمين الغيظ} أي: الكافين عن إمضائه مع القدرة عليه، قال عليه الصلاة والسلام: «مَنْ كَظَمَ غَيْظاً وهُوا يَقْدِرُ على إمْضَائِهِ؛ مَلأَ اللهُ قَلْبَهُ أمْناً وإِيمَاناً».
وقال بعض الشعراء:
وَإذَا غَضِبْتَ فَكُنْ وَقُوراً كَاظِماً ** لِلْغَيْظِ تُبْصر مَا تَقُولُ وتَسْمَعُ

فَكَفَى بِهِ شَرَفاً تَصَبُّرُ سَاعَةٍ ** يَرْضَى بِهَا عَنْكَ الإلَهُ ويَرْفَعُ

{والعافين عن الناس} أي: عمن ظلمهم، وعن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال عند ذلك: «إنَّ هؤلاءِ في أُمتي قليلٌ، مَنْ عَصَمَ الله، وقد كَانُوا كثيراً في الأمم التي مَضَت» وعَنْ أبي هريرة: أن أبا بكر كان مع النبيّ صلى الله عليه وسلم في مجلس، فجاء رجل فوقع في أبي بكر، وهو ساكت، والنبيّ صلى الله عليه وسلم يبتسم، ثم ردَّ أبو بكر بعضَ الرد، فغضب عليه الصلاة والسلام- وقام، فلحقه أبو بكر، وقال: يا رسول الله، شتمني وأنت تبتسم، ثم رَدَدْتُ عليه بعضَ ما قال، فغضبتَ وقُمتَ. قال: «حين كنتَ ساكتاً كان معك مَلَكٌ يردُّ عليه، فما تكلمتَ وقع الشيطان، فلم أكُنْ لأقعدَ في مقعدْ فيه الشيطان، يا أبا بكر، ثلاثٌ حق: تعلم أنه ليس عبد يظلم مظلمة فيعفو عنها إلا أعز الله بها نصره، وليس عبد يفتح باب مسألة يريد بها كثرة إلا زاده الله قلة، وليس عبد يفتح عطية أو صلة إلا زاده الله بها كثرة».
{والله يحب المحسنين} الذين أحسنوا فيما بينهم وبين الله، وفيما بينهم وبين عباد الله، وأل: يحتمل أن تكون للجنس، فيعم كل محسن، أو للعهد، فتكون الإشارة إلى من تقدم ذكرهم.
الإشارة: كل ما يُقوي مادة الحس فهو ربا؛ لأنه يربي الحسن ويقوي مادة الغفلة، فلا ينبغي لمريد أن يضاعفه ويتعاطى أسباب تكثيره، بل ينبغي أن يفر من موارده، وهي ثلاثة: مباشرة الحس، أو الفكر فيه، أو الكلام مع أهله فيه. والذي يقوي مادة المعنى ثلاثة: صحبة أهل المعنى، والفكرة في المعاني، وذكر الله بالقلب. واتقوا الله في مباشرة الحسن {لعلكم تفلحون} بالوصول إلى صف المعاني، واتقوا نار القطيعة التي أعدت لمنكر الخصوصية، {وأطيعوا الله والرسول} فيما ندبكم إليه، {لعلكم ترحمون} بالوصول إلى صفة المعاني، واتقوا نار القطيعة التي أعدت لمنكر الخصوصية، {وأطيعوا الله والرسول} فيما ندبكم إليه، {لعلكم ترحمون} بإحياء قلوبكم وأرواحكم وأرواحكم بأسرار المعاني، وسارعوا إلى ما يوجب تغطية مساوءكم، حتى يغطي وصفكم بوصفه، ونعتكم بنعته، فيوصلكم بما منه إليكم، لا بما منكم إليه، فتدخلوا جنة المعارف، التي لا نهاية لفضاء شهودها، التي أعدت للمتقين السّوى، الذي يبذلون مهجهم وأموالهم في حال الجلال والجمال، {والكاظمين الغيظ}؛ حيث ملكوا أنفسهم وأحوالهم، {والعافين عن الناس}؛ لأن الصوفي ماله مباح ودمه هدر. وكان بعض الصوفية يقول: إذا أردت أن تعرف حال الفقير فأغضبه، وانظر إلى ما يخرج منه.
وقال شيخ شيوخنا رضي الله عنه: قطب التصوف: لا تغضب ولا تُغضب. اهـ.
ولعروة بن الزبير- رضي الله عنه:
لن يبلغَ المجدَ أقوامٌ وإنْ كَرُمُوا ** حتى يُذَلّوا وإن عَزّوا لأقوام

ويُشتَموا فتَرى الألوانَ مُشرِقةٌ ** لا عَفْوَ ذُلَّ ولكن عَفْوَ أحلام

{والله يحب المحسنين} الذين حازوا مقام الإحسان، فعبدوا الله بالشهود والعيان، فعم إحسانهم ذا الإساءة والإحسان والإنس والجان. قال الحسن البصري: (الإحسان: أن يعم إحسانه، ولا يكون كالشمس والريح والمطر). أي: يخص بلداً دون بلد. وقال سفيان الثوري: (ليس الإحسانُ أن تُحسنَ إلى من أحسن إليك، وإنما الإحسان أن تحسن إلى مَن أساء إليك. فإن الإحسان إلى المحسن متاجرة كنفقد السوق، خذ مني وهَات). وقال السري السقطي: (الإحسان: أن تُحسن وقت الإمكان، فليس في كل وقت يمكنك الإحسان)، وأنشدوا:
ليس في كلَّ ساعةٍ وأوان ** تَتَهَيَّأ صنائعُ الإحسان

فإذا أمْكَنَتْ فبادرْ إليها ** حذَراً من تعذُّر والإمْكَان

وقال الورتجبي: قوله: {وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة...} إلخ، علم الحق- سبحانه- عِلَلَ الخلق وميلهم إلى مُنى النفوس، فدعاهم بطاعته إلى العلتين: المغفرة والجنة، ودعا الخاصة إلى نفسه، فقال: {ففرّوا إلى الله}، ثم أعْلَم أن الكل في درك امتحان الجرم، وأثبت بالآية ذنب الكل، لأنهم وإن كانوا معصومين من الزلل، فذنبهم قلة معرفتهم لأقدار الحق، كما قال عليه الصلاة والسلام: «لو أن الله عذب الملائكة لحق منه، فقيل: إنهم معصومون، فقال عليه الصلاة والسلام: من قلة معرفتهم بربهم» ولذلك دعاهم إلى المغفرة. اهـ. قال في الحاشية: وقوله: (أثبت بالآية ذنب الكل)، يعني: شمول قوله: {يغفر لمن يشاء} مَنْ في السماوات الصادق بالملائكة، وإنما تكون المغفرة بعد ذنب، ولكنه في كل أحد على حسبه، وأما قوله: دعاهم إلى المغفرة، فكأنه من قوله: {سارعوا إلى مغفرة من ربكم}، وأن الخطاب يعم من في السماوات أيضاً، وقد يتصور في حق الملائكة الاستنادُ لظواهر الأمور والاختلاف بينهم والاختصام، مما هو معرض للخطأ، وذلك من دواعي المغفرة، وكذلك القصور عن معرفة كنه جلاله الله: نقصٌ لا يخلو منه مخلوق، لاستحالة الإحاطة به علماً، ولذلك كان الترقي في المعرفة لا حد له أبداً سرمداً. اهـ.